فنجان قهوة ومقعد خاطئ
«سوف تلهو بنا الحياة وتسخر» هكذا قال الشاعر بطربٍ بالغ وسخريةٍ حاذقة.
تخطط بدقة للمستقبل، وتواجه العقبات والتحديات بشغف البطل المكافح، متناسيًا أن للقدر كلمته الأخيرة التي كتبها الله لك.
تحدد الوجهة، ثم تحجز التذكرة في أفخم المقاعد، لا تعكر صفوك بالجلوس بين الأطفال وعامة الناس البسطاء.
ها قد رتبت كل شيء بدقة الجرّاح في غرفة عملياته، لا مجال للخطأ بتاتًا، حتى السهو قد تُحاسِب عليه نفسك.
ثم تجلس حيث يُقرَّر لك الجلوس، في مقعدٍ لا يشبه معاييرك، ولا يليق بقدرك، مهترئٍ قديمٍ عاث به الزمن.
تزمجر غاضبًا، وتنهال بالشتم والسخط، لا شيء يمكنهم تغييره من أجلك سوى الاعتذار عن الخطأ، ويطلبون منك انتظار الرحلة القادمة لتعويضك.
قد تظنون أنه مجرد حدث عابر وخيالي الحدوث، لكنه تشبيه مناسب لوضعٍ قد تضعك الأيام السوداء فيه. كما يقول البدو: الله يجنبك صواديف الأيام، وعندما يدعون لك بهذه الدعوة، اعلم أنهم يحبونك من صميم فؤادهم.
مهما بلغت من الكفاءة في وضع كل الخطط الممكنة لتتجنب مصادفة الكوارث، لا مفر؛ فالحذر لا ينجي من القدر.
كما قال الشاعر بركات الشريف:
ما أخطاك ما صابك ولو كان راميك
واللي يصيبك لو تقيّت ما أخطاك
وحديث الرسول ﷺ في وصيته العظيمة لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
«واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفّت الصحف.»
لذلك كان أهل الإيمان أكثر الناس رضًا بما يلاقيهم من الأقدار خيرها وشرها، وقد تأملت حسن الظن بالله، ثم حسن الظن بالناس، والفأل الحسن، فوجدتها خير زاد، وخير معين للمرء في حياته، ولا تجتمع في شخص إلا رأيته شجاعًا، قوي الحجة، سديد الرأي، حسن التعامل مع الناس، بشوش الوجه، عذب اللسان.
والعكس ينبئ عن باطنٍ سيئ، وإيمانٍ تهزه الريح من كل جهة، تخرج فلتات لسانه ما يخفيه قلبه من التوجس وسوء الظن، لذلك خاطبنا الله سبحانه في كتابه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾
وربما تجتمع في المرء معه خصال الضعف والكذب؛ لأن الصدق يتطلب قدرًا كبيرًا من الشجاعة وحسن الظن في المقابل.
والخصلة الحسنة في الشخصية تجر أخواتها، وكذلك السيئة ربما جرّت ما يشبهها من الخصال.
أعتقد أنني حجزت المقعد الخاطئ بدوري، ولا أكتب لكم من برجي العاجي، غير أنني ظننته وضعًا مؤقتًا، فطال بي الأمد، وتجددت مدة مكوثي لعامٍ آخر في نفس المقعد الذي يزعجني الجلوس فيه، كأني أجلس على الجمر.
لكن هذه المرة سأجرب أن أحب المقاعد التي لا تعجبني، إن الرضا من مقامات الإيمان العالية، لذلك علينا المحاولة أولًا حتى نصل بإذن الله.
ماذا عنكم يا رفاق؟
طيَّب الله أوقاتكم بكل خير.
تعليقات
إرسال تعليق